أسطورة البحث الجنائي سيادة اللواء محمد جاد.. مسيرة أمنية صنعتها الخبرة ورسّخها احترام المواطنين

في العمل الأمني لا تُقاس قيمة القيادات بعدد المناصب التي شغلتها فقط، ولكن بحجم المسؤوليات التي تحملتها، وقدرتها على إدارة الملفات الصعبة، والأثر الذي تركته داخل المؤسسة وبين المواطنين. ومن بين القيادات التي صنعت مسيرتها عبر سنوات طويلة من العمل والانضباط، يبرز اسم اللواء محمد محمود جاد، مساعد أول وزير الداخلية الأسبق لقطاع مدن القناة، ومدير أمن السويس الأسبق، باعتباره واحدًا من أبناء المدرسة الأمنية التي جمعت بين الخبرة الميدانية والعمل الجنائي والقدرة على القيادة والإدارة.
وُلد اللواء محمد محمود جاد مصطفى عام 1962 بقرية ميت سهيل التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، وتلقى تعليمه بمدارس المركز، قبل أن يلتحق بكلية الشرطة ويتخرج فيها عام 1983، ليبدأ بعدها مسيرة أمنية حافلة امتدت لسنوات طويلة داخل عدد من المواقع والقطاعات المهمة بوزارة الداخلية.
ومنذ بداية حياته العملية، ارتبطت مسيرته بمواقع أمنية تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والخبرة والقدرة على قراءة المشهد الميداني، فتدرج في عدد من المناصب، وعمل في مجالات البحث الجنائي والأمن العام، وهي مجالات لا تعتمد على القرارات المكتبية وحدها، وإنما تحتاج إلى ضابط يمتلك القدرة على جمع المعلومات وتحليلها، وإدارة فرق العمل، والتعامل مع الجريمة بمختلف صورها، واتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب.

وشكّلت المباحث الجنائية والأمن العام جزءًا رئيسيًا من خبرة اللواء محمد جاد، حيث تولى العمل مفتشًا للأمن العام في عدد من المحافظات، ومن بينها مناطق داخل سيناء، قبل أن يتولى منصب مدير إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن الإسماعيلية. وخلال تلك المرحلة ارتبط اسمه بعدد من الحملات والجهود الأمنية التي استهدفت ضبط التشكيلات العصابية وملاحقة مرتكبي الجرائم الجنائية، وهو ما ساهم في تكوين شخصية أمنية قادرة على التعامل مع الملفات المعقدة، ليس فقط من خلال ضبط الجريمة بعد وقوعها، ولكن من خلال التحرك الاستباقي وربط المعلومات وتوجيه العناصر الأمنية وفقًا لطبيعة كل منطقة والتحديات الموجودة بها.
وفي عام 2017، تم تعيين اللواء محمد محمود جاد مديرًا لأمن السويس، ليتولى مسؤولية واحدة من أهم المحافظات المصرية وأكثرها حساسية من الناحية الأمنية والاستراتيجية. فالسويس ليست مجرد محافظة ساحلية، وإنما مدينة ذات طبيعة خاصة ترتبط بقناة السويس والموانئ والطرق الإقليمية والمناطق الصناعية، فضلًا عن اتصالها بمحاور الحركة المؤدية إلى سيناء والبحر الأحمر والقاهرة، وهو ما يجعل إدارتها الأمنية مسؤولية كبيرة تحتاج إلى قيادة تمتلك خبرة واسعة وقدرة حقيقية على التنسيق والسيطرة الميدانية.
وخلال فترة توليه مسؤولية مديرية أمن السويس، شارك اللواء محمد جاد في إدارة وتأمين العديد من الملفات والفعاليات المهمة، من بينها تأمين المنشآت ودور العبادة، والاستعدادات الخاصة بالانتخابات، ومتابعة الحالة الأمنية والمرورية، والتعامل مع الظروف الطارئة، إلى جانب التنسيق المباشر مع الأجهزة التنفيذية والقيادات الشعبية داخل المحافظة.

وظهر حضوره الميداني بوضوح من خلال متابعته المستمرة للطرق والكمائن والإجراءات الأمنية، ومشاركته في خطط تأمين الكنائس والمناسبات العامة، ومتابعة الاستعدادات لمواجهة السيول والأزمات، إلى جانب الحملات الأمنية والمرورية التي استهدفت فرض الانضباط وملاحقة الخارجين على القانون. وقد عكست تلك المرحلة مفهومًا متكاملًا للعمل الأمني، يقوم على الحضور في الشارع، وسرعة الاستجابة، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، والتواصل المستمر مع المواطنين.
وبعد مسيرة ناجحة داخل مديرية أمن السويس، تمت ترقية اللواء محمد جاد عام 2019 من منصب مدير الأمن إلى مساعد وزير الداخلية لقطاع مدن القناة، ليتولى مسؤولية أمنية أوسع في واحدة من أكثر المناطق أهمية بالنسبة للأمن القومي المصري. وتضم منطقة القناة نطاقًا شديد الحساسية يرتبط بالمجرى الملاحي لقناة السويس، والموانئ، والأنفاق، والطرق والمحاور الاستراتيجية، إلى جانب قربها من سيناء، ولذلك فإن تولي قيادة هذا القطاع يعكس حجم الثقة في خبرته وقدرته على إدارة الملفات الأمنية الكبرى والتنسيق بين مديريات الأمن والأجهزة المختلفة.


وعند انتقاله من مديرية أمن السويس إلى منصبه الجديد، حرصت المحافظة على تكريمه في احتفالية رسمية بحضور المحافظ وعدد من القيادات الأمنية والتنفيذية والشعبية. وخلال الاحتفالية تمت الإشادة بدوره في إحكام السيطرة الأمنية داخل المحافظة وملاحقة الخارجين على القانون، كما تم منحه عددًا من الدروع التذكارية تقديرًا لما قدمه خلال فترة توليه المسؤولية.
ولم يكن هذا التكريم مجرد مناسبة بروتوكولية، ولكنه عبّر عن حالة من التقدير لمسؤول أمني قضى فترة مهمة في خدمة محافظة السويس، وترك داخلها علاقات قائمة على الاحترام والتعاون مع القيادات التنفيذية والمؤسسات والمواطنين. فالقيادة الحقيقية لا تظهر فقط في أوقات الاستقرار، وإنما تتضح قيمتها عند التعامل مع الأزمات والمواقف الصعبة، وفي القدرة على فرض القانون مع الحفاظ على جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وما يميز مسيرة اللواء محمد جاد أنها لم تتوقف عند الخبرة الجنائية أو المناصب القيادية، وإنما امتدت إلى بناء علاقة مباشرة مع المجتمع المحيط به. فالعمل الأمني الناجح لا يعتمد على الحسم والقوة القانونية وحدهما، ولكنه يحتاج أيضًا إلى الوعي بطبيعة المواطنين ومشكلاتهم، والقدرة على الاستماع إليهم، والتفرقة بين الحسم الواجب في مواجهة الجريمة، والمرونة المطلوبة عند التعامل مع الأزمات والمواقف الإنسانية والمجتمعية.

وبعد انتهاء خدمته بوزارة الداخلية، اتجه اللواء محمد جاد إلى العمل العام والسياسي، وخاض انتخابات مجلس النواب عام 2020 عن دائرة منيا القمح ومشتول السوق ممثلًا لحزب مستقبل وطن. واستطاع الوصول إلى جولة الإعادة في واحدة من أكثر دوائر محافظة الشرقية تنافسًا، وحصل على أكثر من أربعين ألف صوت، في تجربة عكست ما يتمتع به من حضور وقاعدة شعبية داخل مسقط رأسه.
ورغم عدم فوزه بالمقعد البرلماني، استمر نشاطه في العمل الحزبي والمجتمعي، وتولى أمانة حزب مستقبل وطن بمركز منيا القمح، وشارك في إدارة وتنظيم عدد من الفعاليات والمبادرات الخدمية، إلى جانب التواصل مع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم والمشاركة في القوافل والأنشطة التي تستهدف دعم أهالي المركز والقرى التابعة له.
ومن العمل في الأمن العام والبحث الجنائي، مرورًا بقيادة مباحث الإسماعيلية ومديرية أمن السويس، وصولًا إلى منصب مساعد أول وزير الداخلية لقطاع مدن القناة، تكشف مسيرة اللواء محمد جاد عن سنوات طويلة من العمل داخل مواقع لا تحتمل الخطأ أو التردد. فقد تحمّل مسؤوليات أمنية في مناطق شديدة الأهمية، واكتسب خبرة واسعة في التعامل مع الجريمة وإدارة الأزمات وقيادة فرق العمل، ثم اختار بعد انتهاء خدمته الرسمية أن يستمر في العمل العام وخدمة المواطنين.
امتداد النهج داخل الأسرة


وامتد نهج خدمة الوطن وسيادة القانون إلى أبناء اللواء محمد جاد؛ فنجله المستشار محمود محمد جاد يشغل منصب وكيل النائب العام ومدير نيابة أكتوبر، بينما يشغل نجله الثاني النقيب زياد محمد جاد منصب مدير مكتب مدير أمن الجيزة، لتواصل الأسرة مسيرتها في خدمة الوطن من داخل مؤسستي العدالة والأمن، في امتداد طبيعي لقيم الانضباط والمسؤولية والإخلاص التي أرساها والدهم طوال مسيرته الأمنية المشرفة.


إن قيمة المسؤول الحقيقي لا تنتهي بانتهاء منصبه، لأن المناصب مؤقتة، أما السيرة الطيبة والثقة التي يتركها بين الناس فهما اللتان تبقيان. واللواء محمد جاد يمثل نموذجًا لضابط بدأ حياته في خدمة الوطن، وتدرج في المسؤولية حتى وصل إلى الصفوف القيادية بوزارة الداخلية، ثم عاد إلى أبناء محافظته حاملًا خبرة السنين ورغبة مستمرة في المشاركة والعطاء.
ولهذا لم يكن اسم اللواء محمد جاد مرتبطًا بمنصب واحد أو مرحلة بعينها، وإنما ارتبط بمسيرة متكاملة عنوانها الانضباط والخبرة والحضور الميداني وتحمل المسؤولية واحترام المواطن، والإيمان بأن خدمة الوطن لا تتوقف بانتهاء الوظيفة، وإنما تستمر ما دام الإنسان قادرًا على العطاء.
